كريم نجيب الأغر

232

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

--> - وتماشيا مع وظيفة « ما » فالحمل يكون مجهولا لغالب الناس في مرحلة الازدياد ، إلا المختصين والعلماء في هذا المجال . ولا يصح أن يستدل أن الجهل مطلق لعدم مجيء حرف الاستثناء « إلا » في مرحلة الازدياد ، ولأن معنى كلمة « ازداد » لا يحتمل الجهل . وهكذا قصر اللّه تعالى اختصاصه بالعلم لما في الأرحام لمرحلة الغيض دون مرحلة الازدياد ، عبر استعمال اسم الوصل « ما » - الذي يدل على المبهم - ، واستثنى أن يكون العلم بالازدياد لاختصاصه فقط ، ولم ينفه عن عباده . فبفضل هذه الصياغة شملت النصوص الشرعية الحمل في مختلف صوره من ذكر أو أنثى ، من فرد أو جمع ، وألفت الضوء على الإبهام الذي يحيط به ، وأحواله من عاقل وغير عاقل . وقد تكون « ما » استفهامية ، لأنها إذا وقعت بين فعلين ، سابقهما علم أو دراية أو نظر ، جاز فيها الخبر بكونها اسما موصولا كما تقدّم ، وجاز فيها الاستفهام ( انظر البرهان في علوم القرآن للزركشي ، ج 1 / ص 177 ) . ونلحظ في آية سورة الرعد ، وفي الحديث الشريف أنها وقعت كذلك . والأمر في معناها لا يختلف كثيرا عن معنى « ما » الموصولة ، فهي تدل على العموم ، وعلى ماهية الشيء وحقيقته . قال الزركشي : « ويسأل بها أعيان ما لا يعقل وأجناسه وصفاته ، وعن أجناس العقلاء وأنواعهم وصفاتهم » ( البرهان في علوم القرآن للزركشي ، ج 4 ، ص 402 ) . أما إذا كانت « ما » مصدرية فيصبح المعنى : اللّه يعلم غيض الأرحام وازديادها ، في إشارة إلى محتوى الرحم من مختلف الأعضاء من دم ، وغشاء ، وغدد رحمية . . . إلخ . وكما تمليه علينا وظيفتها ، فهي لا تخلو من إبهام . ويتمثّل الإبهام في الغيض : أنه يكون لمختلف أعضاء الرحم بدون تحديد من غشاء ودماء وغير ذلك . كما أن الإبهام يكون في أن الغيض والازدياد يكونان في صورة ديناميكية . فالغيض لا يحصل دفعة واحدة ، ولا يبرز بجلاء في بداية الأمر ، وإنما يكون تدريجيا ، وتنزف الدماء بكميات مختلفة ، وتتقطع أعضاء الرحم على مراحل ، ويكتمل معنى الغيض في المآل . كذلك فالازدياد يتم تدريجيّا ، ويظهر فيه جهاز معقّد من الأوردة . . . ( انظر كتاب « الإنسان النامي » للدكتور كيث مور ، ص 31 ) . وبفضل استعمال « ما » نستطيع أن نصرف الغيض إلى وجهين : إلى النطفة في الرحم ، أو إلى غيض الرحم بالدماء والغدد الرحمية . . . إلخ . ولو استعمل حرف « من » بدلا من حرف « ما » لما استطعنا أن نصرف معنى الآية للرحم نفسه ولمكوّناته ، لأن حرف « من » لا يدل على غير العاقل ، ولا يكون للمصدر ، ولما كانت الآية تشير إلى الكثير والقليل ، والمعتبر والممتهن . فلو جاءت الصيغة بحرف « من » لما شملت الحمل في أي صورة كان ، وذلك أن الحرف « من » لا يستعمل للممتهن . فالجنين يكون نطفة ممتهنة صغيرة ، غير معتبرة في بادئ الأمر ، لا يكترث إليها الوالدين كما تشير إليه الآيتان : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [ الإنسان : 1 ] و أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [ المرسلات : 20 ] . ومن ثمّ يكبر ويصبح معتبرا ، ويعطيه الوالدان كامل الاهتمام كما في الآية : فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [ الأعراف : 189 ] ، -